السيد محمد تقي المدرسي
237
من هدى القرآن
ويلاحظ أن موسى عليه السلام كان صِداميًّا ، فلم يراهن على الواقع السلبي الفاسد ، ولا رموزه بل اصطدم معهما بشدة ، كما اصطدم من قبل مع فرعون وسحرته . وهذه كلها شواهد على أن حركات الأنبياء عليهم السلام ، وحركات الرسالية التي تنبع منها وتمثل امتداداً لها حركات صدامية . بينات من الآيات : وهكذا هبط بنو إسرائيل مرة أخرى إلى حالتهم البشرية ( عبادة الأشياء ) حينما تركهم موسى عليه السلام ولم يصمدوا كثيرا أمام إغراءات العجل . وإنما تؤكد آيات القرآن دائماً على ربوبية الله وحاكميته لكي يعرج الإنسان إلى قمة العبودية له تعالى ، ويقوم بعمل جاد من أجل الوصول إلى ذلك المستوى ، والاستغناء به عن الأشياء حوله . وهكذا هبط بنو إسرائيل إلى درك الشرك ، فور ما تعرضوا لفتنة السامري . فلما عاد إليهم موسى عليه السلام ، وجه خطابه إلى هارون أولًا : [ 92 - 93 ] قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ( 92 ) أَلَّا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ولعل السبب كان : ألف : إن هارون كان خليفة عليهم والقيادة الشرعية المسؤولة عنهم فكان أول من يسأل عنهم . ب - - اء : إن موسى عليه السلام لن يهادن أحداً في قضايا التوحيد حتى ولو كان وصيه وخليفته هارون . جيم : إن موسى عليه السلام أراد أن يوضِّح لجماهير بني إسرائيل ، أن قضية التوحيد ليست هينة ، وأنه حتى هارون عليه السلام ، يتعرض للسؤال بل للمحاكمة ، حتى يثبت أنه قد أدى وظيفته بالنسبة إليها ، كيف وأن الله سبحانه يسأل المرسلين في يوم القيامة عن أممهم ، وكان موسى عليه السلام قد أوصى أخاه قبل مغادرته إلى الطور قائلًا : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [ الأعراف : 142 ] ، وجاء الآن يسأل عما قام به . أما هارون فقد أجاب موسى عليه السلام بأن بني إسرائيل لا يخضعون إلا لك ولا يزالون معتقدين بك ، لذلك إذا أمرتهم بترك عبادة العجل قالوا سنعكف على عبادته حتى يرجع إلينا موسى ، فأشاع السامري بأنك مت ، ولكنني كنت أعرف أنك ستعود ويكون ذلك دليلًا على